نخبة من الأكاديميين
565
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
المعادلات ، أكثر من أيِّ وقت مضى ، تُشكِّلُ مكاناً يتلاقى فيه الجبر والهندسة ، بالإضافة إلى استدلالات وطرائق تحليليّة تتزايد يوماً بعد اليوم . ويتوصّل الخيّام في رسالته إلى نتيجتين بارزتين اعتاد المؤرّخون نسبهما إلى ديكارت ( Descartes ) وهما : حلٌّ عامٌّ لكلِّ المعادلات من الدرجة الثالثة بواسطة تقاطع قَطعين مخروطيّين ، وحساباتٌ هندسيٌّة أصبح إجراؤها ممكناً عن طريق اختياره وحدة قياسيّة للأطوال ، مع بقائه ، وخلافاً لِديكارت ، أميناً على قاعدة التجانس . وتجدر الإشارة إلى أنّ الخيّام لم يتوقّف عند هذا الحدّ ، بل حاول أيضاً إعطاء حلٍّ عددي تقريبي للمعادلة التكعيبيّة . ففي رسالة له بعنوان " في قسمة ربع الدائرة " « 1 » ، حيث يعلن مشروعه الجديد عن نظريّة المعادلات ، توصّل إلى حلٍّ عددي تقريبي لمعادلة من الدرجة الثالثة ، بواسطة جداول علم المثلّثات . 4 . إلى الأمس القريب ، ساد الاعتقاد بأنّ إسهام رياضيّي ذلك العصر في نظريّة المعادلات الجبريّة ، اقتصر على مؤلَّف الخيّام . لكنّ هذا الاعتقاد قد خاب . فلم يُشكِّل عمل الخيّام افتتاحاً لتقليد حقيقيّ فحسب ، بل أنّ هذا العمل شهِد تحوّلات عميقة ، بعد أقل من نصف قرنٍ على وفاة مبدعِه . فقد صيغ بعد الخيّام بجيلَيْن ، أحد أهم أعمال هذا التيّار الجبري ، وهو مؤلّف شرف الدين الطوسي " المعادلات " « 2 » . رسالة الطوسي هذه ( التي ألّفها حوالي العام 565 ه - / 1170 م ) قدّمت تجديدات مهمّة بالنسبة إلى عمل الخيّام . فخلافاً لمسار هذا الأخير ، لم يكن مسار الطوسي ، شاملًا وجبريّاً ، بل كان موضعيّاً وتحليليّاً . هذا التغيير الجذري ، ذو الأهميّة الخاصّة في تاريخ الرياضيّات الكلاسّيكيّة ، استطاع أن يُشَكِّل ما يُشبه الجسر بين الجبر التقليدي وبين الطرائق اللامتناهية في الصغر « 3 » في المراحل الأولى من تَكَوُّنها . إنّ مَثَلَ الطوسي يكفي ليدل على أنّ نظريّة المعادلات لم تتعرّض فقط للتحوّلات منذ الخيّام ، إنّما استمرّت تبتعد أكثر فأكثر عن ميدان البحث عن الحلول بواسطة الجذور ، واتجهت لتطال مجالًا واسعاً من الأبحاث التي انتهت فيما بعد إلى الهندسة التحليليّة ، أو بكل بساطة إلى التحليل الرياضيّ . ثانياً : التحليل التوافيقي . بدأ النشاط التوافيقي بالظهور كمادّة علميّة ، ولكن بشكل مبعثر ، عند اللغويين من جهة وعند علماء الجبر من جهة أخرى . ولم يتمّ الربط بين هذين التيّارَيْن إلّا لاحقاً ، حيث ظهر التحليل التوافيقي كأداة رياضيّة يمكن تطبيقها في الأوضاع الأكثر تنوّعاً : اللغويّة والفلسفيّة والرياضيّة وغيرها ، فأصبح
--> ( 1 ) المرجع نفسه ، ص . 232 . ( 2 ) شرف الدين الطوسي ، مجلّدان : Sharaf al - Din al - Tusi , خ uvres mathematiQues . Algebre et geometrie au XIIe siecle , Edition , traduction et commentaire de R . Rashed , Les Belles lettres , Paris 1986 ( 2 volumes ) . صدر بالعربيّة تحت عنوان : " الجبر والهندسة في القرن الثاني عشر مؤلّفات شرف الدين الطوسي الرياضيّة " ، تأليف وتحقيق وشرح الدكتور رشدي راشد ، نقله إلى العربيّة نقولا فارس ؛ مركز دراسات الوحدة العربيّة ، بيروت ، 1998 . ( 3 ) أنظر الطوسي ، المرجع السابق .